منير سلطان
71
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
وهكذا ) واليه ذهب القاضي عبد الجبار « 1 » . قلنا أن المعتمد عندنا في آراء أبى هاشم هو ما كتبه عنه تلميذه القاضي عبد الجبار الذي صرح كثيرا بهذه التلمذة له ولأبيه أبى على ، يقول القاضي « فأما شيخنا « أبو هاشم » رحمه اللّه ، فإن نقض « الفرند » وغيره . . . » « 2 » ويقول « وقال شيخنا أبو هاشم في كثير من كتبه . . . » « 3 » . وقد دافع أبو هاشم عن إعجاز القرآن بالرغم من قوله أنه مخلوق ، حتى لا يؤثر كونه مخلوفا على إعجازه بقوله « إنه وإن خلق قبل ميلاده ، صلّى اللّه عليه وسلم ، فهو دلالة على نبوته ، لكنه من قبل ، يدل على أنه سيكون نبيا ، ثم يكون له عند البعثة دلالة على أنه نبي ، كما نقول في سائر الأدلة ، ولا يوصف من قبل بأنه علم ومعجز ، لأن ذلك يفيد فيه انتقاض العادة به ، وانما يصح ذلك بعد البعثة » « 4 » . أما عن هؤلاء الذين يدعون أن هناك معارضة للقرآن حدثت ، فيقول لهم أبو هاشم « إن المعارضة لو وقعت من القليل كانت ولا تلبث أن تتكشف على الأيام ، إنّ لم تنكشف في الحال ، لأن العادة لم تجر في كتمان مثل ذلك بالاستمرار ، ولو جوّزنا مثله لم نأمن كل متقدم في الشعر ، وفي زمن كل عالم مبرّز ، أنّ جماعة شاركوه وساووه ومع ذلك انكتم أمرهم البتة ، في سائر الأوقات ، والمتعالم من حال أسرار الملوك مع تشددهم في كتمها ، أنها قد انكشفت ، على الأوقات ، فكيف يجوز في مثل ذلك أن ينكتم أبدا ! فلو عارضت هذه الفرقة القليلة القرآن لوجب أن يظهر آخرا ، على الأيام ، إن لم يظهر أوّلا . على أن العادة لم تجر بأن يتمكن العاقل من فضل باهر يساوى به كل من تقدّم كلّ التّقدّم ، ويجب كتمانه لبعض الأغراض . وإن أوجب ذلك في وقت لتقية وخوف ، فلا بد من أن يجب نشره من بعد ، فلا يجوز فيما حل هذا المحل أن لا يظهر في الواحد . فكيف في الجماعة ! » « 5 » .
--> ( 1 ) القاضي عبد الجبار - شرح الأصول - 182 وما بعدها ، وانظر ابن تيمية في كتابه « منهاج السنة » حين يتعرض لتفسير الكسب عند الأشعري يقول « . . . وقالوا عجائب ثلاثة : طفرة النظام ، وأحوال أبى هاشم وكسب الأشعري » 1 / 322 و 323 . ( 2 ) القاضي عبد الجبار - إعجاز القرآن - 9 و 310 . ( 3 ) نفس المصدر 34 . ( 4 ) نفس المصدر - 273 . ( 5 ) القاضي عبد الجبار - إعجاز القرآن - 231 .